النشـرة
الإعلاميـة..
رحيـل
وبورتريـه
في رحيل
محمد العربي المساري
أول وزير
للاتصال يقدم استقالته بعد أن تنبه بأن سكة إصلاح تلفزيون بلده غير سالكة
عندما
قال العربي المساري: أشعر أنني أفضل عندما أكون صحافيا من وزير لا يخدم قضية
الصحافة
ودعنا إلى دار البقاء نهاية
الأسبوع الماضي بعد معاناة طويلة مع المرض، الإعلامي والسياسي
والدبلوماسي محمد العربي المساري ، عن عمر يناهز 79 عاماً، وبرحيل المساري تكون الصحافة
المغربية قد فقدت أيقونتها وذاكرتها، وفقد
المغرب مرجعا أساسيا في ملف الصحراء المغربية والشأن الإسباني وعلاقات المغرب
بجواره بلدان المتوسطي..
النشـرة
الإخبـارية
ولد العربي المساري في مدينة
تطوان وبرز اسمه في الحقل الإعلامي والسياسي والدبلوماسي على امتداد ستة عقود من
الزمن، إذ كانت تطوان هي مهد الصحافة والنشر بالمغرب منذ أكثر من قرن،
حيث تدرج العربي المساري في مهنة المتاعب
منذ منتصف الخمسينات في الإذاعة الوطنية، لكن اسمه سيلمع في صحيفة
"العلم" أعرق الصحف المغربية ولسان حال حزب الاستقلال، وفيها تدرج من
محرر إلى رئيس تحرير.
المساري
... الذي ناضل لوضع قضية حرية الصحافة في صدارة ملفات الإصلاح
السياسي
ارتبط اسم الراحل العربي المساري بحركة النضال
من أجل حرية الصحافة في المغرب وتولى أمانة النقابة الوطنية للصحافة المغربية، كما
ألف المساري عشرات الكتب، ودافع بشدة عن حرية الفكر والإبداع وعن لغة الضاد
العربية.
لم تمنع المساري مسؤولياته
القيادية في حزب الاستقلال، من لعب دور إعلامي قيادي بمهنية عالية، بفضل قدراته
العالية في إدارة الحوار وكفاءاته المهنية والفكرية ونظرته الإنسانية للأمور،
واعتماده على تقنيات الأرشيف لتعزيز دوره الصحفي.
ففي زمن الجمر والرصاص إبان
الستينات والسبعينات، كان المساري في مقدمة الإعلاميين المدافعين عن حرية الصحافة،
ووظف مكانته الحزبية والسياسية من أجل جعل قضية حرية الصحافة في صدارة ملفات
الإصلاح السياسي التي تطالب بها الحركة الوطنية المغربية.
المسار ...
أول زير للاتصال يقدم استقالته بعد أن تنبه بأن سكة إصلاح تلفزيون بلده غير
سالكة
وعندما تولى منصب وزارة الاتصال
سنة 1998 في النسخة الأولى من ما سمي
آنذاك بحكومة التناوب التوافقي برئاسة الاشتراكي
الاستاذ عبد الرحمن اليوسفي، الذي كان
يطلق على المساري لقب "ضمير الإصلاح" وهو لا يكل ولا يمل من
العمل من أجل تحقيق الإصلاحات في مجال الإعلام والسياسة.
لكن الراحل العربي المساري
عندما اصطدم بعقبات تحول دون تحقيق أهدافه في مجال الإعلام ترك منصب وزارة الاتصال،
لأنه كثيرا ما كان يردد: "إنه يشعر بأنه أفضل عندما يكون صحافيا من وزير لا
يخدم قضية الصحافة". ورغم أن المساري يعتبر عميد الصحافيين المغارب، فقد كان دائما
إلى جانب الصحافيين الشباب يشجعهم ويساعدهم.
وكان من المهتمين بتطوير مهنة
الصحافة ومواكبة تطورات تكنولوجيا الإعلام، وخصص في السنوات الأخيرة حيزا هاما
لتطوير الصحافة الإلكترونية المغربية، من النواحي القانونية والأخلاقية والمهنية.
اختير العربي المساري من قبل
اليونسكو كعضو في لجنة حرية الصحافة "غييرمو كانو" لسنوات 2002 و2003
و2004، وذلك اعترافا بخصاله المهنية ونزاهته الفكرية، كما ترأس المساري لسنوات
طويلة لجنة الجائزة الكبرى للصحافة المغربية ولجنة جائزة المغرب.
المساري .... لسان المغرب الإسباني
أتقن العربي المساري لغات
عديدة، منها الإسبانية، ووظف إتقانه للغة الإسبانية وخبرته بالشأن الإسباني، ليصبح
مرجعا أساسيا في المغرب للقضايا المتصلة بإسبانيا وتاريخ العلاقات بين البلدين، واصفا
إياها في كتابه "المغرب إسبانيا علاقات صعبة" المنشور باللغتين العربية
والإسبانية. وقد ألف العديد من الكتب في هذا المجال، وكان بيته في الرباط مقصدا
للإعلاميين والمثقفين والساسة الإسبان، إذ كان من أهم المفكرين العرب الكاتبين
باللغة الإسبانية.
اختير المساري عضوا في لجنة ابن
رشد وهي هيئة حكماء تضم مفكرين وساسة مخضرمين أوكل لها العاهلان المغربي الراحل
الحسن الثاني والإسباني خوان كارلوس، في منتصف التسعينات من القرن الماضي، إيجاد
البدائل والأفكار الكفيلة بمعالجة الأزمات المزمنة في العلاقات بين البلدين الذين
يشكلان حلقة وصل أساسية بين أوروبا وإفريقيا وبين العالم الإسلامي والغرب.
وتحمل اللجنة اسم الفيلسوف
الأندلسي ابن رشد لإبراز التراث الحضاري المشترك بين المغرب وإسبانيا. كما عين
المساري سنة 2000 عضوا بمجلس إدارة مؤسسة الثقافات الثلاث بإشبيلية، وهي مؤسسة
متخصصة في إدارة الحوار بين معتنقي الديانات السماوية الثلاثة الإسلام والمسيحية
واليهودية.
وبذلك، كان المساري بمثابة
موسوعة عن تاريخ علاقات المغرب بمستعمره القديم إسبانيا التي تشكل جزءا من إرث
المغرب الحضاري ومدخله المعاصر إلى أوروبا.
المساري ... ذاكرة ملف الصحراء المغربية
ويشكل ملف الصحراء المغربية،
واحدا من أهم القضايا التي تصدرت اهتمامات المساري، وفيه وظف كفاءاته المهنية
الصحفية ورؤيته الإستراتيجية ومنهجيته التاريخية في العمل، حيث كانت كتاباته في
هذا الموضوع الشائك تعتمد على قدرة تحليلية ونظرة تاريخية ثاقبة، وألف عديد الكتب
في الموضوع. وظل هذا الملف الشائك في علاقات المغرب بمحيطه المغاربي وخصوصاً
الجزائر، في صلب اهتمامات المساري حتى آخر أيام حياته رغم معاناته مع المرض، حيث
كان لا يتوقف عن الكتابة والمشاركة في المناقشات والحوارات حول الموضوع.
ويعتبر المساري ذاكرة الصحافة المغربية في ملف
الصحراء المغربية، بفضل اعتماده الدؤوب على التوثيق والأرشيف، ومساعدته لمئات
الطلاب في الجامعات المغربية والعربية في هذا المجال.
هو ذا الراحل محمد العربي
المساري ... رجل الإعلام والفكر والحوار، ورجل المبادئ والمواقف التي ظل متشبثا
بها وما بدل تبديلا... حتى آخر يوم من حياته.
رحمك الله العربي المساري...
وعزاؤنا واحد في فقدان واحد من طينة الرجالات التي لا تعوض.

0 التعليقات:
إرسال تعليق