مقـالات الـرأي..
انتخبوا السيسي حتى لا يفوز المشير!
خالـد الشامـي
للمرة العاشرة ربما، يؤكد لنا ‘العارفون’ ببواطن الأمور
أن المشير عبد الفتاح السيسي يستعد لتقديم استقالته خلال ‘الساعات أو الأيام المقبلة’
تمهيدا لدخول السباق الرئاسي رسميا، قبل أن تعلن اللجنة العليا للانتخابات الرئاسية
فتح باب الترشيح.
وان لم يخلو الأمر من ‘فقهاء قانونيين’ خرجوا علينا وقالوا
انه يستطيع أن يسجل اسمه في الكشوف الانتخابية بدون استقالة من الجيش (…). وهو ما يثير
أسئلة بشأن بقائه في منصبه حتى الآن، وان كان ذلك يمثـــل نوعا من استخدام منصبه في
الدعاية الانتخابية، لكن مؤشرات عديدة تشير إلى أن الأمور تقترب من الحسم، وهذه يمكن
تقسيمها إلى شقين أساسيين:
أولا: عملية ‘التمهيد النيراني’ التي تشهدها الساحة الانتخابية
حاليا، والتي تمثلت في حملة من التسريبات، والتسريبات المضادة أسفرت حتى الآن عن إطاحة
عدة منافسين محتملين بـ’الضربة القاضية’، وعلى رأس هؤلاء الفريق سامي عنان، الذي انسحب
وسط ظروف ملتبسة ومعطيات غامضة، أعقبت مزاعم أطلقها ونفتها الحكومة بأنه تعرض إلى محاولة
اغتيال. وبالطبع فان الرجل حر في قراراته، إلا أن التبريرات التي أعلنها، أو كتبها
بعض المحسوبين على معسكر السيسي في الليلة السابقة، ليقرأها في المؤتمر الصحافي تحت
عيونهم في مشهد هزلي، تشي بالخطر الذي يمثله بعض أولئك ليس على السيسي نفسه فحسب، بل
على مستقبل التحول الديمقراطي المنشود. ويبدو أن الفريق الذي فشل في أن يكون مرشحا
للإخوان، آثر أن يكون ‘مؤيدا ضمنيا’ للسيسي، ما سيرحمه من ‘قذائف المدفعية الإعلامية
الثقيلة’ التي ألقت عليه حممها طوال الأسابيع الماضية، وبلغت حدا ‘إرهابيا’ عندما وصلت
إلى اعتباره ‘خائنا وفاسدا’ لمجرد انه فكر في منافسة السيسي. أما الآن وبعد انسحابه،
وطبقا للصفقة ‘غير المكتوبة’ فان المتوقع أن تكف ‘المدفعية الإعلامية أذاها’ عن الرجل،
ربما قبل أن ‘تعيد اكتشافه وتقديمه للجمهور’ كقائد عسكري شريف ومخلص (..).
أما من ‘اقنعوا’ عنان بالانسحاب، واغلبهم من الإعلاميين
(..) فاعتبروا أن قراره ‘يخدم المصلحة الوطنية ويحافظ على وحدة الجيش’، في تناقض واضح
مع إصرارهم على أن السيسي ‘مجرد مرشح مدني’ وليس مرشحا عن المؤسسة العسكرية، بل إن
بعضهم ذهب إلى حد مطالبة حمدين صباحي بالانسحاب أيضا ‘حفاظا على الوحدة الوطنية ودعما
للأمن والاستقرار’. إن كانت هذه العقليات هي التي ستتولى تقديم المشورة السياسية لـ’الرئيس
السيسي’ فلا عزاء لشعب أشعل ثورتين وأطاح ثلاثة أنظمة، وقدم ألاف الضحايا من اجل الحرية
والكرامة والعدالة. إن أسوأ ما يمكن أن يحدث للسيسي هو بالضبط ما يحاول أن يفعله هؤلاء،
أي أن يجد نفسه مرشحا وحيدا في انتخابات اقرب إلى استفتاء.
أما الفريق احمد شفيق فكان انسحابه ‘تحصيل حاصل’، بعد أن
اجبر عليه إجبارا، اثر تسريب تسجيل له اتهم فيه السيسي بعدم الخبرة، واعتبر أن الدولة
ستجند طاقاتها بالكامل لـ’توضيب الصناديق’ أي تزوير النتيجة.
وبالطبع فشلت التبريرات التي حاول أن يحتوي بها الأثر المدمر
للتسريب، خاصة تجاه تقويض ما بقي من مصداقية لأعلام ‘الفلول’ وأبواقه الأمنية الذين
طالما حسبوه على معسكر ‘المؤيدين والمحبين للسيسي’.
أما باقي المنسحبين المتوقعين من ‘المرشحين العسكريين’،
وبدون قصف من ‘المدفعية الإعلامية’ فهم اللواء مراد موافي والفريق حسام خير الله، على
أن يحسب ذلك لهم في المستقبل، وكأن التنافس الانتخابي أصبح ‘جريمة في حق الوطن’، وليس
ضرورة من ابجديات الممارسة الديمقراطية. وبالتأكيد فان هؤلاء لا يخشون أن يفوز عنان
أو أي مرشح آخر على السيسي، لكنهم لا يريدون أن ينطق احد بكلمة انتقاد واحدة له، حتى
إن جاءت في إطار معركة انتخابية. وهذا لم يفعله أنصار مبارك نفسه في عز قوته. وهكذا
‘تصفصف’، حسب التعبير العامي المصري، الانتخابات على حمدين والسيسي عمليا، بعد أن أكدت
حملة الأول انه باق في السباق رغم ‘رفضه’ للتحصين القضائي لقرارات اللجنة الانتخابية،
وهو موقف مثير للجدل والتساؤل بشأن الأسباب الحقيقية وراء دخوله أصلا هذا السباق المحسوم
سلفا.
أما الشق الثاني، فهو بلوغ الحملة الانتخابية للمشير السيسي
ذروتها، حتى قبل أن يتحدد تاريخ ترشحه، أو تاريخ إجراء الانتخابات نفسها. وهو ما يمثل
خللا بمبدأ تكافؤ الفرص عند المرشحين، وأمثلة ذلك كثيرة، ومنها أن صورا ضخمة لـ’المشير’
في زيه العسكري بدأت تظهر عند أبواب مؤسسات تابعة للدولة، ومنها دار القضاء العالي،
الذي يضم مقر مجلس القضاء الأعلى وهو رأس السلطة القضائية في مصر.
وهو أمر غير لائق أيا كان اسم المرشح، فكيف وهو مرشح يشغل
حتى هذه اللحظة المنصب العسكري الأعلى في البلاد، أي رسالة يبعث بها هذا ‘الوضع′ غير
المسبوق في أي انتخابات رئاسية. وهل كانت دار القضاء العالي سترضى بوضع صورة مرشح آخر
أمام مدخلها. وهل يمكن ادعاء الحياد والنزاهة بينما تكرس حالة انعدام الوزن السياسي
في البلاد صورة ‘المشير’ على انه مرشح ‘المؤسسة’؟
ويستطيع المشير أن يجادل محقا ربما، بأنه ليس مسؤولا عن
تلك الصور أو اليافطات الانتخابية، وانه لا يستطيع أن يصدر أي تعليق انتخابي بحكم منصبه
السياسي، إلا أن هذا الكلام يحمل الرد بين طياته، حيث أن إصراره على البقاء في الجيش
ليوم واحد بعد أن لمح بوضوح إلى انه سيترشح للرئاسة يجعله مسؤولا عن تلك التصرفات التي
تسيء إليه أولا، وللانتخابات وصورة مصر وثورتها.
ولا يتعارض كـــــل ما سبق مع حقيقة أن الرجل يتمتع بشعبية
واسعة، وانه قادر علـــى أن يحــــقق فوزا حقيقيا وكبيرا في انتخابات نزيهة، إلا أن
القضية أكثر تعقيدا من هذا، إذ ستتوقف النتــــائج الحقيقية على أن كان السيسي سيدخل
الانتخابات ‘مواطنا عاديا ومدنيا، أم سيدخلها باعتباره ‘السيد المشير السيسي’؟ والفــارق
كبير. إذ أن ما تفعله ‘جوقة المنافقين’ للرجل للأسف حالـــــيا يشير إلى أن المرشح
هو المشير وليس السيسي (..). وفي حال استمرت هذه الحملة بموافقة ضمنية منه بعد أن يدخل
السباق رسميا، فان كثيرين سيذهبون لانتخاب السيسي لكنهم قد يفاجأون بفوز المشير.
ومما يكرس المخاوف أن الفترة الأخيرة شهدت ظهورا موازيا
لرموز عديدة من عهد مبارك للمرة الأولى في وسائل الإعلام، وكأنهم يتعمدون استفزاز الشعب،
بينما يسخرون من ثورة يناير ويدافعون عن الرئيس المخلوع. لقد أصبح تحالف بل تأمر المنافقين
والفلول الداعم لانتخاب المشير الخطر الأكبر الذي يهدد السيسي، سواء مرشحا أو رئيسا.
بينما أصبح حتميا على الذين يؤيدون الرجل أن يتأكدوا من أنهم سينتخبون السيسي حتى لا
يفوز المشير. وإلا فلا يلومون إلا أنفسهم.
كاتب من مصر

0 التعليقات:
إرسال تعليق